ابن أبي أصيبعة
418
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
وكان محذقا في الطب قال أبو بكر بن حمدون وقد رأيت هذا الرجل وكان يحسن علوما كثيرة منها الحديث ويرويه ويكتبه الناس عنه ويوهونه ولم أسمع هذا منه قال القاضي التنوخي ولم يتفق لي مع كثرة ملاقاة أبي بكر الرازي أن أسمع هذا الخبر منه قال ابن قارن الرازي وكان تلميذا لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب في الطب سمعت أبا بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب بعد رجوعه من عند أمير خراسان لما استدعاه فعالجه من علة صعبة قال اجتزت في طريقي بنيسابور بيقام وهي النصف من طريق نيسابور إلى الري فأستقبلني رئيسها فأنزلني داره وخدمني أتم خدمة وسألني أن أقف على ابن له به استسقاء فأدخلني إلى دار قد أفردها له فشاهدت العليل فلم أطمع في برئه فعللت القول بمشهد من العليل فلما انفردت أنا بأبيه سألني أن أصدقه فصدقته وآيسته من حياة ابنه وقلت له مكنه من شهواته فإنه لا يعيش وخرجت من خراسان وعدت منها بعد اثني عشر شهرا فاجتزت به فأستقبلني الرجل بعد عودتي فلما لقيته استحييت منه غاية الحياء ولم أشكك في وفاة ابنه وإني كنت نعيته إليه وخشيت من تثقله بي فأنزلني داره فلم أجد عنده ما يدل على ذلك وكرهت مسألته عن ابنه لئلا أجدد عليه حزنا فقال لي يوما تعرف هذا الفتى وأومأ إلى شاب حسن الوجه والصحة كثير الدم والقوة قائم مع الغلمان يخدمنا فقلت لا فقال هذا ولدي الذي آيستني منه عند مضيك إلى خراسان فتحيرت وقلت عرفني سبب برئه فقال لي إنه بعد قيامك من عنده فطن إنك آيستني منه فقال لي لست أشك أن هذا الرجل وهو أوحد في الطب في عصره هذا قد آيسك مني والذي أسألك أن تمنع هؤلاء الغلمان يعني غلماني الذين كنت أخدمه إياهم فإنهم أترابي وإذا رأيتهم معافين وقد علمت إني ميت تجدد على قلبي حمى تعجل لي الموت فأرحني من هذا بأن لا أراهم وأفرد لخدمتي فلانه دايتي ففعلت ما سأل وكان يحمل إلى الداية في كل يوم ما تأكله وإليه ما يطلب على غير حمية فلما كان بعد أيام حمل إلى الداية مضيرة لتأكل فتركتها بحيث يقع عليها نظر ولدي ومضت في شغل لها فذكرت أنها لما عادت وجدت ابني قد أكل أكثر مما كان في الغضارة وبقي في الغضارة شيء يسير مغير اللون قالت العجوز فقلت له ما هذا فقال لا تقربي الغضارة وجذبها إليه وقال رأيت أفعى عظيما وقد خرج من موضع ودب إليها فأكل منها ثم قذف فصار لونها كما ترين فقلت أنا ميت ولا أود أن يلحقني ألم شديد ومتى أظفر بمثل هذا وأكلت من الغضارة ما استطعت لا موت عاجلا وأستريح فلما لم أستطع زيادة أكل رجعت إلى موضعي وجئت أنت قالت ورأيت المضيرة على يده وفمه فصحت فقال لا تعملي شيئا أو تدفني الغضارة بما فيها